كمال الدين دميري
386
حياة الحيوان الكبرى
فقلت للمرأة : واللَّه ما علمت شيئا ، ولا قالا لي شيئا ! فقالت لي : بلى لن تريدي شيئا إلا كان . خذي هذا القمح فابذريه ، فأخذته فبذرته . وقلت له : اطلع فطلع ثم قلت استحصد فاستحصد ، ثم قلت : انطحن فانطحن ، ثم قلت : انخبز فانخبز . فلما رأيت أني لا أقول شيئا إلا كان سقط في يدي فندمت ، واللَّه يا أم المؤمنين ما فعلت قط ولا أفعله أبدا . فسألت أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فما دروا ما يقولون لها ، وكلهم هاب أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا لها : لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك . ثم قال الحاكم : صحيح انتهى . قال هشام بن عروة ، وهو راوي الحديث ، عن أبيه عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها ، أنهم كانوا أي الصحابة رضي اللَّه عنهم أهل ورع وخشية للَّه ، وبعد من التكلف والجراءة على اللَّه ، فلذلك أمسكوا عن الفتيا لها ولو جاءتنا اليوم لوجدت الأمر بخلاف ذلك . قال بعض الحنابلة : قلت : فقد بان بهذا أن السحر والإيمان لا يجتمعان في قلب ، ولا يصير ساحرا وفي قلبه إيمان ، فاعتبر بحال هذه المرأة المسكينة كيف ألقاها الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء ، في ورطة هلكة لا تجبر مصيبتها ، وهذا دأب المعاصي تنكس الرؤوس وتوجب الحبوس ، وتضاعف البؤس ، ولقد أحسن القائل حيث قال : إذا ما دعتك النفس يوما لحاجة وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما هواها عدو والخلاف صديق تذنيب : للسحر حقيقة وتأثير وقيل لا ، والصحيح أن الصواب الأول ، دل عليه ظاهر القرآن والسنة . قال المازري : اختلف العلماء في القدر الذي يقع به السحر ، ولهم فيه اضطراب ، فقال بعضهم : لا يزيد تأثيره على قدر التفريق بين المرء وزوجه ، لأن اللَّه تعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده ، وتهويلا له في حقنا فلو وقع به أعظم منه لذكره ، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة ، إلا بأعلى أحوال المذكور . ومذهب الأشعريين أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ، قال : وهذا هو الأصح ، لأنه لا فاعل إلا اللَّه تعالى ، وما وقع من ذلك فهو عادة أجراها اللَّه تعالى ، ولا تفترق الأفعال في ذلك وليس بعضها أولى من بعض ، ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبة ، لوجب المصير إليه . ولكن لا يوجد شرع قاطع بوجوب الاقتصار على ما قال القائل الأول ، وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا . فإن قيل : إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر ، فبماذا يتميز عن النبي ؟ فالجواب أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر ، لكن النبي يتحدى الخلق بها ، ويستعجزهم عن الاتيان بمثلها ، ويخبر عن اللَّه تعالى بخرق العادة بها لتصديقه ، فلو كان كاذبا لم تنخرق على يديه ، ولو خرقها اللَّه على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء ، وأما الولي والساحر فلا يتحديان الخلق ، ولا يستدلان على نبوة ، ولو ادعيا شيئا من ذلك ، لم تنخرق العادة لهما . وأما الفرق بين الولي والساحر ، فمن وجهين أحدهما ، وهو المشهور ، اجماع المسلمين على أن